ســــــــلام
إن الإسلام يعاني من موقفين يتخذهما صنفان من الناس . الصنف الأول يمثله أولائك الذين يعتقدون أنه لا يمكن للإنسان أن يعيش عصره وينعم بالحياة إلا ذا تخلص من الدين وركنه بعيدا في زاوية ضيقة. ولكي يبرر هذا الموقف تراه يتصيد العثرات ويسيء فهم النصوص ليجعل للدين وجها عبوسا منفرا ويسوغ بالتالي رفضه للدين وابتعاده عنه . وهذا الموقف صادر على أحسن النوايا عن سوء الفهم واجتزاء نصوص الدين.
الموقف الثاني يصدر عن جهل عميق بالدين وعن بداوة متأصلة في الشخصية، إضافة إلى رفض للعصر وما يموج به من مبتكرات وأساليب جديدة في الحياة. وأصحاب هذا الموقف يعتقدون أن الإسلام يبرر لهم الماضوية والانعزال والإنغلاق والتقوقع و العنف والتعصب. وهم يمنحون بهذا المسلك للفريق الأول، مبررا يشرعن موقفهم المنتقد للدين، في أحسن الأحوال.
إن المنحى الذي يعمد إلى تسفيه اعتقاد الجماهير منحى إجرامي بالنظر إلى ردات الفعل العفوية العنيفة التي قد تتولد عنه. فكل ذي لب يحتاط عند التعبير عن آرائه ولو كان يعتقد صحتها، حتى لا يخدش الحساسيات.
فإذا اعتقدت أن عبادة البقر تحط من كرامة الإنسان، فأنا بالرغم من ذلك أحترم الهندوسي وأوقر معتقداته. وإذا كنت أعيش في الهند فسيكون من البلاهة والحمق أن أشعل فتيل الفتنة بسب آرائي حول الهندوسية.
إن المواضيع المفضلة عند من ينتقدون الإسلام تتعلق في الغالب بالمرأة، وبتشريعات الإسلام في المجال الجنائي، خاصة ما يتعلق بالحدود.
فبالنسبة للمرأة يتم في الغالب تهويل مسألة الإرث، بالرغم من أن مسألة الإرث في قوانين كثير من الدول تتسم بتخبط وفوضى كبيرين. ولكن قلما نسمع من يتحدث عنها. فما معنى أن يرث الإنسان ديون أبويه والتزاماتهما المالية كما هو الحال في القانون الفرنسي، و ما معنى أن يتم التمييز في الإرث بين الأولاد الناتجين من زواج أول وأولاد ناتجين من زواج ثاني كما هو الحال في القانون السويسري، و ما معنى أن تعطى التركة كلها لأكبر ابن ذكر كما هو الحال في القانون الإنجليزي، بل ما معنى أن يجيز القانون الوصية بكل التركة لقط أو كلب ولذريته من بعده في قوانين الولايات المتحدة.
إن الإسلام قد أعطى بالفعل للأنثى في حالات محددة نصيبا أكبر من نصيب الذكر- وإن كان قد ساوى بينهما في حالات أخرى- لكنه فعل ذلك تمشيا مع نظرته العامة للنظام الاجتماعي الذي يرى بأنه الأصلح، آخذا بعين الإعتبار أولويات قصوى.
من أساسيا ت النظام الإجتماعي الذي اختاره الإسلام، تفريغ المرأة وإغناؤها عن العمل لأجل مجرد تغطية نفقات السكن والقوت؛ حتى لا تضطر للتخلي عن الأمومة ؛ فالأمومة أيضا عمل وتتطلب تفرغا تاما . واستمرار المجتمع متوقف على هذا الأمر. ذلك أن الإنجاب إذا امتنع تناقص المجتمع، وصار إلى الزوال . لهذا حَمّل الشرع نفقة الأسرة للزوج وأعفى منها المرأة وفي مقابل ذلك أعطى للذكور في بعض الحالات نصيبا أوفر في الإرث مما أعطاه للإناث.
أما في ما يتعلق بتحريم الإسلام للزنا فإنه عائد أساسا لحماية حق الإنسان في أن يكون له أب معروف، على اعتبار أن توازن الشخصية يتوقف علي ذلك. وهو احتياج نفسي ضروري وجزء من هوية الإنسان. ولقد أظهرت التحقيقات أن أطفال الأنابيب و الأطفال المتبنون ينفقون الأوقات والأموال عند البلوغ، من أجل التعرف على آبائهم البيولوجيين.
هذا إضافة إلى أن الزنا يحرم المواليد الناتجين عنه من الإستفادة من رعاية الوالدين. في حين أن الزواج يضع الأشخاص أمام مسؤولياتهم اتجاه الأبناء. وتجب الإشارة هنا أيضا إلى أن الزنا عند شيوعه، يرفع من احتمالات التزاوج الأحادي الدم، الذي ينشأ عادة عند الجهل بالأصل، فينتج عن ذلك عاهات وتشوهات في النسل .
يأتي بنا الكلام إلى الحديث عن العقوبات في الشريعة الإسلامية. يجب أن نشير في البداية إلى أن من يريد أن يحدد عقوبات للجرائم يكون بين خيارين اثنين: إما اختيار عقوبات خفيفة وإما اختيار عقوبات شديدة. إن الأخذ بالخيار الأول سيكون من نتائجه ارتفاع معدل الجريمة؛ لأن من وظائف العقوبات الزجر والتخويف ومنع حدوث الجريمة. والعقوبة إذا كانت خفيفة فإنها لاتفي بهذا الغرض لاجتراء الناس على الجرائم استخفافا بالعقاب. والخيار الثاني وهو الأخذ بعقوبات قاسية، يتنافى مع مبدأ الرأفة بالناس حتى ولو كانوا مجرمين .
والملاحظ أن الشريعة الإسلامية اتخذت منحى دقيقا، حيث أنها اختارت عقوبات قاسية بالنسبة للجرائم الخطيرة، لكنها أرفقتها بشروط ناذرا ما تتحقق. وبذلك أصابت هدف منع حدوث الجرائم، أو التقليل منها، لأن الكثير من الناس يمتنعون عن الجريمة لمجرد علمهم بشرعية العقاب. و قللت من احتمال تطبيق تلك العقوبات بفضل الشروط التي أرفقت بها، فراعت في نفس الوقت مبدأ الرأفة بالناس.
والجريمتان الوحيدتان اللتان عاقبت عليهما بالقطع هما السرقة وهي في التعريف الفقهي : أخذ مال الغير خفية من حرز. والحرز هو ما يحفظ فيه المال عادة، فتكون السرقة المقصودة هي السرقة بالكسر أو التسلق. وهذه الجريمة شائعة، وهي صعبة الإثباث. ولذلك عاقبت عليها الشريعة بقطع اليد اليمنى زيادة في التخويف من الإقدام عليها؛ وبالتالي استئصالها والقضاء عليها. ولا يتم تنفيذ هذه العقوبة إلا بشروط متعلقة بالإثبات و بمقدار المال المسروق وبالضحية، وإلا استبدلت بعقوبة أخرى غير القطع.
الجريمة الثانية التي تناولها القطع هي الحرابة. وهي في التعريف: تخويف المارة والمسافرين و نهب متاعهم وسلب أموالهم وإزهاق أرواحهم . ولكن العقوبة المقررة لهذه الجرائم ليست حتمية التنفيذ، لأن الشريعة أخذت هنا بمفهوم توبة المحارب، حيث أنه يعفى من العقاب إذا انتهى عن أفعاله وسلم نفسه و أعاد الحقوق المستلبة إلى أصحابها، سواء كانت دماء أو أموالا. ومع فرض إيقاع العقوبة فهي تتناسب مع خطورة الجريمة.
وتجب الإشارة إلى أن هذه العقوبات نصية. بمعنى أنها ثابتة بمقتضى نصوص شرعية واضحة الدلالة. وبالتالي فإن الشريعة لم تخول لأي كان أن ينقص منها أو يزيد فيها أو يستبدل بها غيرها. وهذا الصنف من العقوبات لا يتناول إلا سبع جرائم، اعتبرتها الشريعة شديدة الخطورة، لأنها تشكل اعتداء مباشرا على إحدى النظم، التي تشكل العمود الفقري لكل مجتمع من المجتمعات. وهي: نظام الأسرة ونظام الملكية والنظام السياسي والنظام الاجتماعي. أما عقوبات باقي الجرائم فقد ترك الإسلام أمر تحديدها للناس، ممثلين في المجالس التشريعية وعلماء التشريع، على أن يتم تغيير هذه العقوبات كلما اقتضى الأمر ذلك: كتغير الزمن وارتقاء درجة التهذيب الإجتماعي عند الأفراد.
وقد اشتمل القرآن على أشكال من الإعجاز لكن المعجزة ليست سببا حتميا للإيمان . فشرط الإيمان هو النظر الحر النزيه المتجرد لطلب الحق.